كلمـــــة فـــي

((((يــوم المترجميــن العـرب))))


بقلم : قحطـان فؤاد الخطيب / العراق

     ويسـألونك عن الترجمة، بمعقل الترجمة، الجمعيــة الدوليـة للمترجمين واللغويين العرب، في يوم المترجمين العرب، ترى ، كيف أجيب ، والجمعية أفردت يوما خاصا بهؤلاء الأفذاذ؟ أيكفي القول، بنشــوة، بأنها مزدهرة فقط؟ أم ترانا نبالغ إذا قلنا بأنها منافسة لأقســـام الترجمة في الكليات والجامعات هنا وهناك؟ ميدانيا، التفاعل العملي هنا ملموس بشكل مثير للفضول. والعطاء الفكري المهني منسـاب بلا حدود. تسهر على ديمومتــه رؤوس اشتعل رأسها شيبا، متواجدة في كل مفاصلها ليل نهار، بلا كلل ولا ملل، ودون توقع أي مردود مادي، يحكمهم قاسم مشترك أعظم : إنجاز وفير منبثق عن رســـالة الفكر والقلــــم.

    أثقلت كــل رجالاتها التجارب والخبرات المهنية البحتة، جاعلة منهم بؤر استقطاب تجتذب كل المبدعين والمتجددين في ميداني الترجمة واللغويات ، يحدوهم الأمل جعل هذا المعلم الجبار قبلة المترجمين واللغويين في كل مكان.

    فقبل أيام، تصافحت الأكف بحرارة، فيما طبعت القبـلات الحميمة آثارها، التي لا تمحى بسرعة، على خدود المحبين، في مشارق الأرض ومغاربها، ابتهاجا بمناسبات سارة، تزامن وقوعها ضمن هذه الأيام، ومنها أعياد : الأضحى والميلاد والسنة الجديدة، التي لعبت دورا حيويا في تجميل صورة المشهد الضبابي الكوني عموما، والعربي المشبع مرارة وأسى وحسرة خصوصا.

    واليوم، الأول من كانون الثاني 2008، يكرر الحدث السعيد ذاته، بحلة قشيبة تبهر القاصي قبل الداني، وبنكهة تفوق البن البرازيلي سحرا، والورود والياسمين عطرا وجمالا وجاذبية. إنه (((يـوم المترجميـــن العـرب)))، فارس الأيـام، وعنفوان الشباب. اليوم الذي انفردت فيه جامعة القلوب العربية، مشكورة، قبل سواها من الجامعات، في حشد التعاطف والحب والوفاء للمترجمين العرب، وشائج الوصل المتينة بين الشعوب والأمم، مخصصة يوما للاحتفاء بهذه الشموع التي ماانفكت تضيء ، وسط هذا الظلام الدامس، الذي يلف كل زقاق دون استثناء.

    في هذا اليوم البهيج، يطل علينا فريد عصره، الأستاذ المتجدد عامر العظم، باسما، كما ألفناه، مستبشرا بالخير، كما عهدناه، متفائلا وهو يداعب دفة فرقاطتة العملاقة ، العائمة وسط هذا المحيط، الهائج الأمواج، متسلحا بالمصداقية والعصامية والنزاهة. لا ترهبه أية عاصفة، قطبية كانت أو استوائية أو حتى من خارج الغلاف الجوي. ديدنه نشر الوعي في مضماري الترجمة واللغويات. تؤازره، حتى النفس الأخير، رفيقة دربه وشريكة حياته، السيدة الأولى في القصر العامر، راوية الشعر الأنيق، مسبغة على جوهما الأسري برمجة رافلة بالبهجة والحبور، كي يتدفق العطاء دون انحسار أو تعثر ، بتطلعات مشروعة، ترضى عنها السماوات والأرض، وتباركها حشود المتزاحمين ، من الجهات الأربع، المنصهرة في بوتقتهـــــا.

     لعمري، لقد أثبتا بأنهما صاحبا رسالة فكرية سمحة لا تكرر نفسها، أرست دعائم هذا المنبر المتألق، المنضوي تحت لوائه العديد من المفكرين المتميزين، بحيث باتت المرتبة العشرية الخامسة قاب قوسين أو أدنى من تثبيت إحصاء عددهم . لا يبتغيان من ورائها كسبا سريعا، ولا شهرة فضفاضة، أو نفوذا لا يباركه رب العباد ، بل يتوقان إلى صيانة عقول الجيل الجديد من العبثية الرائجة في الألفية الثالثة قبل فوات الأوان، عبر التفاعل مع المنتديات الرصينة والأبواب الجذابة من جهة، وكأنهما يبعثان برسالة مفادها : "الترجمة عملية تعجل في إزالة الاحتقان بين أمم كرتنا الأرضية عن طريق نقل وجهات نظر الطرف الآخر بكل أمانة" من جهة أخرى. لقد نجحا، فعلا، في لم شمل المترجمين العرب، إيذانا ببزوغ فجر جديد يعيد للترجمة شباب مجدها، واللغويات سعة انتشارها، بعيدا عن البيروقراطية المقيتة والتباطؤ الممل، مما انعكست إيجابياتها على مجمل العملية الفكرية، وبالأرقام القياسية المثبتة على لوائحها المتعددة، في الجرد الدقيق، الذي أجراه أحد أركانها الموقرين، الأستاذ حسام الدين مصطفى.

      تحية عطرة للجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب التي انفردت وبادرت في تثبيت يوم أغر، مكرس للمؤتمنين على نقل الكلمة الصادقة، مما أتاح للألسن تبادل التهنئة الدافئة، والتحية الحميمة ، والضحكة الزاهية، يعلو أساريرهم وشاح يفصح عن مكنونات الجمعية التي واءمت بين قلوب وعقول ليس المترجمين واللغويين العرب قاطبة فحسب ، بل والأدباء والشعراء والقاصين والروائيين وكل المتعاملين مع القلم من شتى ألوان الطيف ألقلمي ألفسيفسائي الأخاذ.

     ومنذ سنوات، وبكل الفخر والزهو، حق لأهل (((واتــــا)))، وقد حققت إنجازات عملاقة، لا تعد ولا تحصى، في وضح النهار، وعلى رؤوس الأشهاد، مخترقة كل الحواجز بيسر، كعادتها، بفضل حنكة إدارتها، وموسوعية علمائها، و عطاء خبرائها، وشفافية أعضائها، حق لهم التباهي بالمكانة المرموقة التي تربعت عليها إمبراطوريتهم العتيدة ليس في حدود وطننا الكبير فقط بل ما وراء البحار أيضا. إذ " أصابت "، كما يحلو لمفجر طاقاتها الكامنة القول، " العالم بالذهول التام ! "

     هاك، على سبيل المثال لا الحصر، مجلة (((واتـــــا))) للترجمة واللغات، التي تعاقب على رئاسة تحريرها لغويون مرموقون، وقد أصابت كبد الحقيقة، بمواضيعها الثمينة التي خضعت للتحكيم، والتي ستحتفل بربيعها الخامس بعد أيام. إنها مجلة محكمة، اضطلع بإدارة دفتها أخيرا عالم لغوي ذائع الصيت، صارم في أدائه، غزير في معلوماته، لا يحابي أحدا على حساب الموضوعية، ما جعل المجلة معينا لاستقاء المعلومات كمرجعية فخمة معترف بهــا دوليا.

      وما انطلاق مسيرة العديد من الجمعيات المتخصصة مثل : جمعية المترجمين واللغويين المصريين، والجمعية السورية والمغربية ونحو ذلك، إلا بارقة خير، وانبثاقا وإفرازا عن التوليفة البديعة التي تتميز بها الجمعية الأم. وهذا، بالطبع، إنجاز آخر يدعو إلى الغبطة والسرور.

      وإذ تحل هذه الذكرى الميمونة، يطيب لي أن أحي جمعية المترجمين العراقيين العريقة : رئيسا وأعضاء، والإخوة الأعزاء الرواد : البروفيسور دنحا طوبيا كوركيس، والغني عن التعريف، صديق توفيق، والمترجم الأنيق، محمد نهاد، وأمل العراق الكبير، أمل كاظم الطائي، والمتألقة دوما، صبيحة شبر، والمهندس الشاب، تميم فخري الدباغ ، والنموذجي في كل شيء، سامي خمو، والغائب الحاضر سمير الخطيب.

      كما أحي بعضا من أحبائي، رواد الجمعية الفتية بمصر، أمثال : العالم الجليل، البروفيسور أحمد شفيق الخطيب، والشخصية الفذة التي لا تغيب عن الأذهان قط , حسام الدين مصطفى، وسيد الإبداع المتألق يسري حمدي، و الموسوعي المرجعي بحق وحقيق، وحيد فرج، وعديد الأوصاف، الأكاديمي المرموق، أحمد الأقطش، والمميز المتميز سمير الشناوي، والمحبوب بلا حدود، هشام السيد، والباحث بصمت، أكمل المغربي، والقانوني البارز أيمن كمال السباعي، والعضو الفاضل أسامة مصطفى الشاذلي، والخبير ماهر محمدي يس , والمكرم الشربيني المهندس، وطبيب الحرف والكلمة، الدكتور جمال مرسي، والزميل الفاضل عمر شلبي، والمترجم المتمرس محمد حسن يوسف، و الإخوة الأعزاء أنوار مساعد وحسن حجازي والمنقب في آبار الكلمات، مجدي لويز ، وياسر أبو النور والزاهية في كل شيء، الزاهية بنت البحر، والرقيقة جدا دعاء الخطيب، والعزيزة إيمان حمد، ومالكة أطول نفس عند الغوص في بحار ومحيطات المعرفة، إيناس حمدي، وحاملة أشيك قلم، الأديبة عبلة محمد زقزوق، والأديب إبراهيم جاد الله , والأخت سماح سليمان وعشرات، إن لم أقل مئات المفكرين ممن أثروا الجمعيتين ترجمة ولغة وعلما وشعرا وأدبا وبحثا على مدار الساعة . كلهم، بلا استثناء، سعوا لأن تكون وليدتهم البكر سليمة البنية، حادة البصر والبصيرة، محصنة ضد فيروسات نقص الكفاءة والسطحية والفجاجة ، بعيدا عن التقوقع والانطوائية. وكان لهم ما صبوا إليه.

     كما أحيي المئات من أعزائي في فلسطين الأسطورة، وسوريا الشامخة، والمغرب العملاق، وحسناء الأمة الفاتنة، الجزائر، وقطر الخير، والإمارات العربية المتحدة، عرين الحكمة والتجدد والإبداع، ولبنان، الدرة الساحرة، واليمن السعيد، وتونس الخضراء، وليبيا، والسودان، والأردن، والمملكة العربية السعودية، والكويت , وموريتانيا، والبحرين، وعمان، والصومال، وجيبوتي، وجزر القمر، والمترجمين المغتربين العرب، وكثيرين غيرهم ممن تزدان الشاشة الساحرة للجمعية بظهورهم، أمثال : طبيب البشر والكلمة، د. محمد أياد فضلون، وأيقونة الجمعية، الآمنة المؤتمنة أمينة، و الأنيقة ماجدولين الرفاعي، و بنت الوفاء، ريمة الخاني، وخبير النفس، يحي الصوفي، و المثابر يوسف الحجار، وعقاب إسماعيل المغربي، وأسماء حسن محمد، وعقل الجمعية المتفتح، د. فؤاد بوعلي، و العزيز إلى الأبد، د , عبد السلام فزازي، وخصب الخيال، نزار ب. الزين، وهشام الحرك، وعبد الودود العمراني، ومحمد بن أحمد باسيدي، ومالكة عسال، والشاعر المدوي الصدى، هلال الفارع، و د. حمزة ثلجة، ونذير طيار، وغالب ياسين، وحسام الدين زغلول، وبسام نزال، وعامر حريز ، ومعتصم الحارث الضوي، وأبو بكر خلاف، والدكتور سعادة خليل، وآخرين كثيرين لا يتسع المجال، مع شديد الأسف، لتحيتهم، على الرغم من أن كل واحد منهم يستحق مجلدات من الكتابة عنهم كي يطمئن ضميرنا إلى أننا أوفيناهم بعض حقهم.

     هذا ناهيك عن الإنجاز الثالث، التقليد السنوي في تكريم العلماء والمبدعين، الذين طرزت الصفحات الأولى للصحف المحلية والدولية بالمانشيت العريض تكريمهم. وكان لي الشرف العظيم في نيل تكريم الجمعية، إضافة إلى تكريم أخي الدكتور منذر أبو هواش بدرجة الدكتوراه، إذ جاء الحدث كسبق غير مطروق في تكريم مفكري الأمة، تثمينا لدورهم الريادي في التواصل مع العقول المتفتحة، وكأن لسان الحال يقول : (((هل من مزيد؟))). إضافة إلى تعضيد العديد من الأبواب والزوايا التي تجتذب المتصفحين من شتى الفئات العمرية والمستويات الفكرية المختلفة. فهنيئا للمكَرَمين الجدد، وهنيئا للمكرِمين على حسن صنيعهم.

       يوم المترجمين العرب، إذن، مناسبة فريدة للبوح بما يعتمل في أعماقنا من مشاعر أخوية دون تحفظ، ولحظة تأمل لاستعراض ما اختزنته الذاكرة من معلومات قيمة ومستحدثة، واسترسال في الحديث الشائق، على كل لسان ، ما أن يرد ذكر الجمعية، التي هي البصيص الأخير لنا في نهاية النفق. ونحن مدينون لها بالكثير الكثير، لأنها وحدتنا ولم تشرذمنا، وألفت بين قلوبنا ولم تفرقنا. علمتنا كيف نتعاون على البر والألفة والمحبة على طول الخط، وكيف نعتصم بحبل الله ما دام الشهيق والزفير يعملان بانتظام، ونحن نمارس رسالتنا الأخلاقية الرفيعة في مخاطبة العقول والنفوس. علمتنا كيف نمسك القلم ونحفر أسماءنا في قلوب الآخرين. كما علمتنا أن لا نذبح الدجاجة التي تبيض لنا ذهبا. بشفافيتها المفرطة غدت جسرا فولاذيا يعبر عليه حملة الأقلام إلى ضفة الأمان. لعمري إنني لست بمادح أحدا، قدر اعترافي وإقراري، من فوق هذا المنبر الرهيب، أنه لولا عشيقتي (واتــا) لكنت نسيا منسيا وراء جدران أربعة ، لا حول لي ولا قوة، بعيدا عن تلك اللائحة المذهبة من الأسماء المحببة إلى قلبي، ولكنت حرمت من مباهج الاستمتاع بهذا اليوم المميز وسط النخبة.

      في هذا اليوم البليغ، نطلق العنان لحواسنا الخمس، كي تمارس وظائفها بصورة طبيعية، أملا في أن تشعرنا بأننا لا زلنا أحياء نرزق : نرى بأم أعيننا ما يجري تحت أقبية هذه الأكاديمية من تحولات سريعة جدا، ونسمع، بطرب، شتى الألحان الشجية، منبعثة من قوافي شعراء ((واتــا)) الذوق الرفيع، فيما نشم عطر الكلمات البهية، المسطرة في قلوب وعقول المحبين، وهي تنساب، بدلع، من بين سطور المكاتبات، في أرشيف (((واتـــــا)))، أمنا الرءوم، كما نلمس، بأيدينا أيضا، أبعاد ومعاني المصافحة التي ينفرد بها رعايا هذا الفردوس الجبار. إضافة إلى أننا نتذوق، بلهفة غير مسبوقة ، نكهة الطعام الشهي الذي تتفنن أنامل ابنتنا الغالية، أم زيد، في إٍٍٍٍٍٍٍضفاء اللمسات الأخيرة عليه، على المائدة المستديرة، تواصلا مع هذا الحدث الخالد.

      أما حاستنا السادسة، ليت شعري، فسوف لن تخذلنا، حتما، من استيعاب فحوى مقولة الربان الماهر، التي أعاد لنا، من خلالها، الأمل المفقود، والبسمة البريئة الغائبة ، والثقة بالنفس، وهو ينشـــــد قائــــلا :

    ((( مـن حقـك أن ترفـــع رأســك أيهـا العربـــي ! )))

 

  مع أسمى اعتباري.

قحطــــان الخطيب / العراق 1 / 1 / 2008

وكل عام وانتم بألف خير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة للجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب ©